spot_img

ذات صلة

جمع

الأخطاء الثمانية في التمييز بين «عرب آسيا» و«عرب إفريقيا»

تفكيك خطاب إعلامي يُخطئ في التاريخ ويُربك الهوية ويُفرغ...

النفط يقفز مع عدم إحراز تقدم في المحادثات الروسية الأوكرانية

ونظرا لأن "آيفون إس إي" الجديد فيه ذاكرة وصول...

آخر تحديث لأسعار الذهب بعد خطوة المركزي الأميركي

ونظرا لأن "آيفون إس إي" الجديد فيه ذاكرة وصول...

الحرب الأوكرانية الروسية تهدد “سلة خبز العالم”

ونظرا لأن "آيفون إس إي" الجديد فيه ذاكرة وصول...

“الليالي” في المخيال الفلاحي المغربي: حين يتحدث طقس البرد لغة العلامة(بمناسبة دخول الليالي اليوم 25 دجنبر)

ليست “الليالي” في الذاكرة الفلاحية المغربية مجرد موجة برد عابرة، بل هي نظام دلالي متكامل، تُقاس به الفصول، وتُقرأ عبره تحولات الطبيعة، ويُعاد من خلاله تنظيم العلاقة بين الإنسان والأرض والسماء. فهي ما يُعرف بأربعينية الشتاء، الممتدة من 25 دجنبر إلى مطلع فبراير، وقد سُمّيت “الليالي” لا لطولها الزمني فحسب، بل لثقلها الوجودي، حيث يبلغ البرد ذروته، وتطول الليالي بما يحمله ذلك من أثر نفسي وبيئي على الإنسان والحيوان والنبات.

ليس كل ما يُقال في الإعلام مجرد وصف عابر. فبعض العبارات، حين تتكرر، تتحول إلى أطر ذهنية تُعيد تشكيل الوعي دون إعلان ذلك صراحة. ومن هذا الباب يأتي استعمال مصطلحي «عرب آسيا» و«عرب إفريقيا» بوصفه مثالًا دالًا على انزلاق معرفي مركّب، لا على مجرد زلة لسان.

ويشير باحثو الأنثروبولوجيا المناخية إلى أن المجتمعات الزراعية التقليدية لا تتعامل مع الفصول بوصفها تقسيمات زمنية محايدة، بل بوصفها “أحداثًا كونية” محمّلة بالمعنى (Evans-Pritchard, The Nuer, 1940؛ Ingold, The Perception of the Environment, 2000). وهذا ما ينطبق تمامًا على مفهوم “الليالي” في الثقافة المغربية.

وقد ارتبطت هذه الفترة بطقوس وعادات اجتماعية وثقافية راسخة، من أبرزها الاحتفاء بـ“نصف الليالي” بعد مرور عشرين يومًا، حيث يحل رأس السنة الفلاحية (ينّاير) في 13 يناير، وهو تقويم أمازيغي قديم مرتبط بالدورة الشمسية والزراعية (محمد شفيق، الثقافة الأمازيغية: تعابيرها وأنماطها، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2005). في هذا اليوم تُحضَّر أكلات مخصوصة تختلف من منطقة لأخرى، بما يعكس إدماج الجسد في طقس قراءة الزمن الطبيعي.

لقد امتلك الأجداد معرفة دقيقة بحركات الشمس والقمر والبروج والمنازل، ورصدوا انعكاساتها على الطقس والفلاحة، دون أدوات علمية حديثة. وهي معرفة تقوم على الملاحظة الطويلة والتجربة المتراكمة، وتنتقل عبر الأمثال الشعبية باعتبارها “أرشيفًا شفهيًا” للطبيعة (عبد الله حمودي، الشيخ والمريد، 1980؛ Paul Thompson, The Voice of the Past, 1978).

تنقسم “الليالي” إلى بنيتين رمزيتين: الليالي البيض والليالي السود، ولكل منهما وظيفة دلالية داخل التقويم الفلاحي.

فالليالي البيض تمتد عشرين يومًا، يشتد فيها البرد وتكثر العواصف، ويشعر الناس فيها بـ“مباغتة الشتاء”، وهي تنقسم إلى:

  • الكوالح (25 دجنبر – 3 يناير): عشرة أيام تمثل الصدمة الأولى للبرد.
  • الطوالح (4 – 13 يناير): عشرة أيام تستكمل دورة القسوة الشتوية.

أما الليالي السود، فرغم قسوة اسمها، فقد ارتبطت في المخيال الشعبي بالتفاؤل والخصوبة، حيث يُقال: “الليالي السود إيفتح فيها كل عود”. وهي لحظة تشكّل داخلي للنبات قبل انطلاق النمو الظاهر، وهو ما يتقاطع مع ما يسميه علم الإيكولوجيا الزراعية “مرحلة الكمون الحيوي” (Altieri, Agroecology, 1995). وتنقسم هذه الليالي إلى:

  • الموالح (14 – 23 يناير).
  • الصوالح (24 يناير – 2 فبراير).

وبانتهاء الأربعين ليلة، تدخل الطبيعة مرحلة العزازة، وهي عشر ليالٍ متقلبة، تعقبها قرة العنز (12–14 فبراير)، حيث يبلغ البرد حدّه الأقصى، وهو ما يقابل في تقاويم متوسطية أخرى ما يُعرف بـles jours noirs (Fernand Braudel, La Méditerranée, 1949).

وفي لقاء صحفي، يقدّم الباحث محمد غازي الحجاجي، صاحب كتاب “خروج السمايم نقايم، وخروج الليالي نعايم”، قراءة للمنازل الشتوية في العرف الثقافي الشاوي، حيث تتكون “منزلة الليالي” من ثلاث محطات:

  • سعد البلدة: برد قاسٍ “يضرب السماء حتى للكبدة”.
  • سعد الذابح: حيث “لا كلب نابح ولا عطار رابح”.
  • سعد البولع: ذروة القسوة المناخية.

ثم تأتي منازل الانتقال:

  • سعد السعود: دفء حذر، “تزنزن النحلة فالعود ولا تموت بالبرود”.
  • سعد الأخبية: صفاء ودفء، “كتخرج كل من هي مخبية وكتفرح كل من هي مربية”.

وتنسج الذاكرة الشعبية حول “الليالي” شبكة غنية من الأمثال، تؤدي وظيفة إرشادية للفلاح، مثل:

  • “الليالي المسعودة تنزل الشتا بالليل والنهار مفقودة”.
  • “إيلا روات فالليالي عوّل على السمن بلقلالي”.
  • “ما تفرح بالمعيز أو الخرفان حتى يخرج الليالي وحيان”.

وقد بيّن باحثو الفولكلور الزراعي أن هذه الأمثال ليست توصيفًا شعريًا، بل أدوات قرار عملي في تدبير القطيع والزراعة (حسن بحراوي، تحليل الخطاب الحكائي، 1990؛ Dundes, Folklore Matters, 1989).

ومع اقتراب موسم الحرث، تبدأ الاستعدادات: تسمير البهائم، إصلاح المحراث، واختيار البذور. وكان اختيار البذور مهمة الجد أو الشيخ، الذي ينتقي أفضل السنابل ويحتفظ بها بعناية، وهو سلوك ينسجم مع ما تسميه الأنثروبولوجيا الزراعية “الانتقاء التقليدي للبذور” (Jack Harlan, Crops and Man, 1992).

حتى التنبؤ بالمطر كان يخضع لقراءة سيميائية للسماء:
“إيلا حمّارت السماء مع الصباح ربط عودك ورتاح…”، وهي قراءة قائمة على تراكم الخبرة البصرية، وتجد ما يقابلها في دراسات علم المناخ الشعبي (ethnometeorology) (A. R. L. Wolff, Weather Lore, 2011).

بل إن شيوخ القصبات كانوا، في منزلة “الصرف” الخريفية، يمارسون طقسًا استشرافيًا دقيقًا، يخرجون فيه بقصبة يعلوها الصوف، تُفحص آثار الرطوبة والروائح، ثم تُستخلص مؤشرات السنة المقبلة. وهي ممارسة رمزية-تجريبية تجمع بين الحس والملاحظة والتأويل، وتُعد مثالًا على ما يسميه كلود ليفي-شتراوس “العقلية العلمية البدئية” (La Pensée Sauvage, 1962).

هكذا، لم تكن “الليالي” مجرد برد، بل لغة كاملة، ونظام علامات، وذاكرة جماعية تقرأ الطبيعة كما يُقرأ النص، وتحول المناخ إلى خطاب، والزمن إلى حكمة متوارثة .

spot_imgspot_img